الجصاص

157

أحكام القرآن

على وقوع الحلف ويزول احتمال العدة كما حذف في " والله لأفعلن " ليدل أن القائل حالف لا واعد . وقوله تعالى : ( إنهم لمنكم ) معناه في الإيمان والطاعة والدين والملة ، فأكذبهم الله تعالى . والإضافة منهم جائزة إذا كان على دينهم كما قال : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) و ( المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ) ، فنسب بعضهم إلى بعض لاتفاقهم في الدين والملة . قوله تعالى : ( ومنهم من يلمزك في الصدقات ) . قال الحسن : " يعيبك " . وقيل : اللمز العيب سرا والهمز العيب بكسر العين . وقال قتادة : " يطعن عليك " . ويقال : إن هؤلاء كانوا قوما منافقين أرادوا أن يعطيهم رسول الله من الصدقات ولم يكن جائزا أن يعطيهم منها لأنهم ليسوا من أهلها ، فطعنوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في قسمة الصدقات وقالوا يؤثر بها أقرباءه وأهل مودته ، ويدل عليه قوله تعالى : ( فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ) ، وأخبر أنه لاحظ لهؤلاء في الصدقات وإنما هي للفقراء والمساكين ومن ذكر . قوله تعالى : ( ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله ) فيه ضمير جواب " لو " تقديره : ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله لكان خيرا لهم أو أعود عليهم ، وحذف الجواب في مثله أبلغ لأنه لتأكيد الخبر به استغني عن ذكره مع أن النفس تذهب إلى كل نوع منه والذكر يقصره على المذكور منه دون غيره . وفيه إخبار على أن الرضا بفعل الله يوجب المزيد من الخير جزاء للراضي على فعله . مطلب : في بيان معنى الفقير والمسكين قوله تعالى : ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) الآية . قال الزهري : " الفقير الذي لا يسأل والمسكين الذي يسأل " . وروى ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة في حد الفقير والمسكين مثل هذا ، وهذا يدل على أنه رأى المسكين أضعف حالا وأبلغ في جهد الفقر والعدم من الفقير . وروي عن ابن عباس والحسن وجابر بن زيد والزهري ومجاهد قالوا : " الفقير المتعفف الذي لا يسأل والمسكين الذي يسأل " ، فكان قول أبي حنيفة موافقا لقول هؤلاء السلف . ويدل على هذا قوله تعالى : ( للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا ) [ البقرة : 273 ] فسماهم فقراء ووصفهم بالتعفف وترك المسألة . وروي عن قتادة قال : " الفقير ذو الزمانة من أهل الحاجة ،